[المتن]
قال الإمام القحطاني -رحمه الله- في نونيِّتِهِ:
«سُبْحَانَهُ مَلِكًا عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى .. وَحَوَى جَمِيعَ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ»
[الشرح]
«سُبْحَانَهُ مَلِكًا عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى .. وَحَوَى جَمِيعَ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ»
«سُبْحَانَهُ»؛ أي: أنزهك يا ربي؛ يعني ينزه ربه عما لا يليق به، وكلمة "سبحان" تعني: التنزيه، ولا يجوز أن تُقَال لغير الله -سبحانه وتعالى-؛ لأنها تفيد التنزيه المطلق عن جميع النقائص والعيوب التي تعتري البشر وسائر المخلوقات.
فالمقصود أن التسبيح خاص بالله رب العالمين؛ ومن أضافه إلي غير الله فقد كفر؛ كما سيأتي في المثال الذي بيَّنه الشيخ الناظم -رحمه الله- من قوله: "فليَقلُ سبحاني" بعد قليل، وهذا أمر وقع فيه بعض المتصوفة؛ سيأتي له مزيد بيان إن شاء الله.
«سُبْحَانَهُ مَلِكًا عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى»:
الملك: اسم من أسماء الله -جل وعلا- قال الله -جل وعلا-: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ}.
وقال -تبارك وتعالى-: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، وهناك قراءة صحيحة: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}.
وقال -تبارك وتعالى-: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقال -تبارك وتعالى-: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}.
والآيات في هذا الباب كثيرة، وقد يُسمىٰ المخلوق ملكًا، ولكن ليس الملك كالملك، فالملك الديَّان ملْكُهُ كامل، لا ينضب ولا ينتهي، وليس له ابتداءٌ وليس له انتهاء، وملك المخلوق له بداية ونهاية وهو محدود ومحصور وقليل ولا يعد شيئًا بالنسبة لملك الله -سبحانه وتعالى-؛ فالله -تبارك وتعالىٰ- هو الملك الديَّان كما يقول عن نفسه يوم القيامة.
«عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى»؛ «سُبْحَانَهُ مَلِكًا عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى»:
العرش: أعظم المخلوقات؛ أعظمها على الإطلاق؛ وهو أكبرها وأولها خلقًا، أول المخلوقات وأكبرها وأعظمها، وليس العرش المُلك كما تقول بعض الطوائف، وليس هو الكرسي كما تقوله طوائف أخرى؛ بل العرش سقف جميع المخلوقات وهو أعظمها وأكبرها وهو سرير المُلك، ومع عِظَمِه وكِبَرِه فإنه مخلوق من المخلوقات، والله -سبحانه وتعالى- لم يزدد بخلق العرش شيئًا، ولم ينقص لو أراد إثنائه بذلك شيئًا؛ لأن الله -عزَّ وجل- له صفات الكمال ونعوت الجلال.
ومما يدل على أن العرش أعظم المخلوقات وأعظمها قول الله -سبحانه وتعالىٰ-:
{رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}.
{سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}.
فالعرش عظيم بالنسبة لسائر المخلوقات، وما المخلوقات جميعًا بما فيها من سماوات وأرض في العرش إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة؛ قال تعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} وقال تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ}.
وقال تعالى في وصف جبريل: {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}؛ أي: صاحب العرش وهو الله -سبحانه وتعالى-.
وهو {الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}
{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}
هذه كلها أدلة على أن العرش مخلوق وأنه أعظم المخلوقات، وأنه ليس الكرسي وليس السماوات وليس المُلك، ومما يدل على أنه خُلِقَ أولاً؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كتب الله مقادير الأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء))؛ أي: قبل ذلك، ولذلك ثمة نزاع أيهما خُلِقَ أولاً: العرش أم القلم؟ فهناك من يرى أنَّ القلم هو أول المخلوقات؛ بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ))، وفي رواية: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ؛ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ))، وفي راوية: ((لما خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ؛ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ)).
والصواب: أن العرش هو أول المخلوقات؛ لقوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}، ولأن العرش هو أعظم المخلوقات، ولأن هذا هو قول المحققين من أهل العلم.
طيب، كيف نوجه "أول ما خلق الله القلم"؟ توجيهه واضح بحمد الله، وهو أن أول ظرف متعلق بقال؛ أي: قال له اكتب عندما خلقه؛ والمقصود حينما خلق الله القلم قال له: اكتب، وتؤيده رواية: ((لما خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ؛ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ))؛ فليس في هذا دليل على الأولية وإنما دليل على الظرفية العندية؛ أي: عندما خلق الله القلم وحينما خلق الله القلم؛ قال له: اكتب؛ قال: وماذا اكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء إلي قيام الساعة.
أكمل قراءة التفريغ بتحميله من الرابط أعلاه